صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

324

شرح أصول الكافي

من البدن ، فالطبيعة « 1 » منبثة في كل البدن ، والنباتية أقل انبثاثا من الطبيعة وسلطانها في الكبد ، والحيوانية أقل انبثاثا من النباتية وأصغر موضعا ، إذ سلطانها في تجويف الدماغ سيما الوهم ، الذي هو رئيس القوى الحيوانية ، انما سلطانه في تجويف في غاية الصغر كالدودة الصغيرة ، ولو نظرت لوجدت التفاوت على نسبة الشرافة مما روعي بين مواضع الحواس الظاهرة ، فاللمس لكونه اخس الحواس منبث في الجلد وأكثر اللحم ، والبصر لكونه أشرفها متعلق بالرطوبة الجليدية وهي أقل مقدارا من عدسة . واما القوة العقلية اي العقل بالفعل فلكونها اشرف جميع القوى الامكانية فلا تعلق لها بشيء من المواد بوجه من الوجوه أصلا ، لا في ذاته ولا في فاعليته ولا في سائر صفاته الحقيقية ، فإذا ثبت هذا فخالقه ومبدعة احرى وأليق بان لا يكون له حاجة إلى شيء من الأجسام ، فيستوي نسبته إلى الجميع عرشا كان أو كرسيا أو غيرهما . فهذه اثنتا عشر حجة في نفي المكانية عنه ، بقي الكلام في تأويل قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، فإنه ذكر هذا القول في سور سبعة من القرآن : في الأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان والسجدة والحديد ، فلا بد ان يكون مشتملا على حكمة لطيفة وان يكون للعرش مزية على سائر الأجسام من جهة المعنى والمنزلة لا من جهة المكان والجسمية . وروى الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب حنبل : انه اوّل ثلاثة اخبار فقط : قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم : الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله : اني لا جد نفس الرحمن من قبل اليمن . واعلم أن هذا القول ضعيف جدا ، فإنه ان قطع بان الله منزه عن المكان والجهة فقد قطع بان مراد الله من الاستواء ليس الجلوس وهذا عين التأويل ، وان لم يقطع بتنزيه الله عن المكان والجهة بل بقي شاكا فهو جاهل بالله ، اللهم الا ان يقول : انا اقطع بان ليس مراد الله ما يشعر به ظاهر اللفظ بل شيء اخر ، لكن لا أعينه خوفا من الخطاء . فهذا قريب ولكنه أيضا ضعيف ، لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب فوجب ان لا يريد من اللفظ الّا موضوعه في لسان العرب ، وإذا كان الاستواء لا معنى له الّا الاستقرار

--> ( 1 ) - الطبيعة - م .